دكتور عبد العزيز الدوري
88
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
وأدت الفتوحات إلى انتشار العرب وتوسعهم في الأرض والرزق . وقد خرجوا في موجة ازدادت تدفقا بازدياد الانتصارات ثم بتوسع الفتوح . ولقيت حركة الهجرة حماسا ، فأمام جفاف الجزيرة وتوقف الغزو توجد الثروة في البلاد الجديدة . وهناك تشجيع الخلافة حتى أسقطت من العطاء من لم يقاتل في البلاد المفتوحة ومن لم يهاجر إليها . وشملت هذه الهجرة أهل البادية والحاضرة على ما بينهم من تفاوت في القابليات والمستويات ، وكان لذلك نتائجه في الحياة العامة . وتلا الفتوح بصورة تدريجية انتشار الدين الإسلامي ، فدخله من آمن ومن تستر . وقوي هذا الاتجاه على مرّ الأيام حتى أدى إلى ظهور تيار الموالي . وكان لهذه التيارات - القبلي والحضري ، ثم تيار الموالي - دور في التطورات الاجتماعية في ما بعد . خرج العرب إلى الفتوح بهيئة قبائل واستمروا يكونون الجيش العربي الذي نظم في تقسيمات أساسها الوحدات القبلية ، من قبيلة إلى عشيرة ، وسجل العرب في الدواوين المحلية في الأمصار ( دواوين الجند ) على أساس النسب القبلي ، وانتظموا في السكن في سكك ودروب على أساس العشائر والأفخاذ ، واستمرت التقاليد والعادات القبلية سائدة بينهم في البداية وبقي التأكيد على رابطة النسب قويا . ولكن الظروف الجديدة في الأمصار كانت تعمل على تعديل هذه الأوضاع التي نقلت مخطط البادية إلى مخطط المدن . فهذه القبائل استقرت في مدن أو في معسكرات جديدة وبدأت تسير في حياة مستقرة لا حياة ترحل وغزو ، في مجتمع قاعدته المشتركة العطاء والرزق الذي شمل المحاربين وأهليهم ، وإطاره الفكري والعقائدي الإسلام الذي قوي وتغلغل على مرّ الأيام . وهذا التنظيم القبلي المنسجم في الظاهر كان يخفي وراءه التباين بين عناصر البادية والعناصر الحضرية التجارية عن عرب المدن وخاصة مكة . ولم يقتصر هذا التباين على الخبرة المالية وعلى القابليات ، بل إنّ القيادة في الفتوحات والرئاسة في الإدارة كانت لعرب المدن - مكة والمدينة أولا والطائف بعدئذ . ففي فترة الفتوحات وبعدها تمكن المكيون التجار وبعض عرب المدن من تنمية الثروات التي حصلوا عليها ، وكانت المجالات فسيحة ، فهناك التجارة وتموين الجيوش وبيع الغنائم ، وهناك ظاهرة إثراء بعض الأمراء والعمال كما يبدو من الشكوى المتكررة التي رواها المؤرخون الأولون ( خاصة البلاذري ) . كما سبقت الأرستقراطية القرشية غيرها في تقدير قيمة الأرض وأخذت تمتلك الأراضي